الشوكاني

350

فتح القدير

سورة مريم الآية ( 87 - 95 ) حكى سبحانه ما كان عليه هؤلاء الكفار الذين تمنوا ما لا يستحقونه ، وتألوا على الله سبحانه من اتخاذهم الآلهة من دون الله لأجل يتعززون بذلك . قال الهروي : معنى ( ليكونوا لهم عزا ) ليكونوا لهم أعوانا . قال الفراء : معناه ليكونوا لهم شفعاء في الآخرة ، وقيل معناه ليتعززوا بهم من عذاب الله ويمتنعوا بها ( كلا سيكفرون بعبادتهم ) أي ليس الأمر كما ظنوا وتوهموا ، والضمير في الفعل إما للآلهة : أي ستجحد هذه الأصنام عبادة الكفار لها يوم ينطقها الله سبحانه ، لأنها عند أن عبدوها جمادات لا تعقل ذلك ، وإما للمشركين : أي سيجحد المشركون أنهم عبدوا الأصنام ، ويدل على الوجه الأول قوله تعالى - ما كانوا إيانا يعبدون - وقوله - فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون - ويدل على الوجه الثاني قوله تعالى - والله ربنا ما كنا مشركين - وقرأ ابن أبي نهيك " كلا " بالتنوين ، وروى عنه مع ذلك ضم الكاف وفتحها فعلى الضم هي بمعنى جميعا وانتصابها بفعل مضمر كأنه قال : سيكفرون كلا سيكفرون بعبادتهم ، وعلى الفتح يكون مصدرا لفعل محذوف تقديره : كل هذا الرأي كلا ، وقراءة الجمهور هي الصواب ، وهى حرف ردع وزجر ( ويكونون عليهم ضدا ) أي تكون هذه الآلهة التي ظنوها عزا لهم ضدا عليهم : أي ضدا للعز وضد العز الذل هذا على الوجه الأول ، وأما على الوجه الثاني فيكون المشركون للآلهة ضدا وأعداء يكفرون بها بعد أن كانوا يحبونها ويؤمنون بها ( ألم تر انا أرسلنا الشياطين على الكافرين ) . ذكر الزجاج في معنى هذا وجهين : أحدهما أن معناه خلينا بين الكافرين وبين الشياطين فلم نعصمهم منهم ولم نعذهم . بخلاف المؤمنين الذين قيل فيهم إن عبادي ليس لك عليه سلطان - الوجه الثاني أنهم أرسلوا عليهم وقيضوا لهم بكفرهم قال - ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا - فمعنى الإرسال هاهنا التسليط ومن ذلك قوله سبحانه لإبليس - واستفزز من استطعت منهم بصوتك - ويؤيد الوجه الثاني تمام الآية ، وهو ( تؤزهم أزا ) فإن الأز والهز والاستفزاز معناها التحريك والتهييج والإزعاج ، فأخبر الله سبحانه أن الشياطين تحرك الكافرين وتهيجهم وتغويهم ، وذلك هو التسليط لها عليهم ، وقيل معنى الأز الاستعجال ، وهو مقارب لما ذكرنا لأن الاستعجال تحريك وتهييج واستفزاز وإزعاج ، وسياق هذه الآية لتعجيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حالهم وللتنبيه له على أن جميع ذلك بإضلال الشياطين وإغوائهم ، وجملة : تؤزهم أزا في محل نصب على الحال ، أو مستأنفة على تقدير سؤال يدل عليه المقام ، كأنه قيل ماذا تفعل الشياطين بهم ؟ ( فلا تعجل عليهم ) بأن تطلب من الله إهلاكهم بسبب تصميمهم على الكفر وعنادهم للحق وتمردهم عن داعي الله سبحانه ، ثم علل سبحانه هذا النهي بقوله ( إنما نعد لهم عدا ) يعني نعد الأيام والليالي والشهور والسنين من أعمارهم إلى انتهاء آجالهم ، وقيل نعد أنفاسهم ، وقيل خطواتهم ، وقيل لحظاتهم ، وقيل الساعات . وقال قطرب : نعد أعمالهم . وقيل المعنى : لا تعجل عليهم فإنما نؤخرهم ليزدادوا إثما . ثم لما قرر سبحانه أمر الحشر وأجاب عن شبهة منكريه أراد أن يشرح حال المكلفين حينئذ ، فقال ( يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ) الظرف منصوب بفعل مقدر : أي أذكر يا محمد يوم الحشر ، وقيل